فخر الدين الرازي
428
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : المراد أنه تعالى يعجب العقلاء من مناقضتهم عند هاتين الحالتين ، فعند الضر يعتقدون أنه لا مفزع إلى ما سواه وعند النعمة يعودون إلى اتخاذ آلهة معه . ومعلوم أنه تعالى إذا كان إنما يفزع إليه في حال الضر لأجل أنه هو القادر على الخير والشر ، وهذا المعنى باق في حال الراحة والفراغ كان في تقرير حالهم في هذين الوقتين ما يوجب المناقضة وقلة العقل . المسألة الثالثة : معنى قوله : لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ أنه لا يقتصر في ذلك على أن يضل نفسه بل يدعو غيره إما بفعله أو قوله إلى أن يشاركه في ذلك ، فيزداد إثما على إثمه ، واللام في قوله لِيُضِلَّ لام العاقبة كقوله : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] ولما ذكر اللّه تعالى عنهم هذا الفعل المتناقض هددهم فقال : قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا وليس المراد منه الأمر بل / الزجر ، وأن يعرفه قلة تمتعه في الدنيا ، ثم يكون مصيره إلى النار . ولما شرح اللّه تعالى صفات المشركين والضالين ، ثم تمسكهم بغير اللّه تعالى أردفه بشرح أحوال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا إلى اللّه ولا اعتماد لهم إلا على فضل اللّه ، فقال : أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وحمزة أمن مخففة الميم والباقون بالتشديد ، أما التخفيف ففيه وجهان الأول : أن الألف ألف الاستفهام داخلة على من ، والجواب محذوف على تقدير كمن ليس كذلك ، وقيل كالذي جعل للّه أندادا فاكتفى بما سبق ذكره والثاني : أن يكون ألف نداء كأنه قيل يا من هو قانت من أهل الجنة ، وأما التشديد فقال الفراء الأصل أم من فأدغمت الميم في الميم وعلى هذا القول هي أم التي في قولك أزيد أفضل أم عمرو . المسألة الثانية : القانت القائم بما يجب عليه من الطاعة ، ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلّم « أفضل الصلاة صلاة القنوت » وهو القيام فيها . ومنه القنوت في الصبح لأنه يدعو قائما . عن ابن عمر رضي اللّه عنه أنه قال لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام وتلا أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ وعن ابن عباس القنوت طاعة اللّه ، لقوله : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ * [ البقرة : 116 ] أي مطيعون ، وعن قتادة آناءَ اللَّيْلِ ساعات الليل أوله ووسطه وآخره ، وفي هذه اللفظة تنبيه على فضل قيام الليل وأنه أرجح من قيام النهار ، ويؤكده وجوه الأول : أن عبادة الليل أستر عن العيون فتكون أبعد عن الرياء الثاني : أن الظلمة تمنع من الإبصار ونوم الخلق يمنع من السماع ، فإذا صار القلب فارغا عن الاشتغال بالأحوال الخارجية عاد إلى المطلوب الأصلي ، وهو معرفة اللّه وخدمته الثالث : أن الليل وقت النوم فتركه يكون أشق فيكون الثواب أكثر الرابع : قوله تعالى : إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا [ المزمل : 6 ] وقوله : ساجِداً حال ، وقرئ ساجد وقائم على أنه خبر بعد خبر والواو للجمع بين الصفتين . واعلم أن هذه الآية دالة على أسرار عجيبة ، فأولها : أنه بدأ فيها بذكر العمل وختم فيها بذكر العلم ، أما العمل فكونه قانتا ساجدا قائما ، وأما العلم فقوله : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وهذا يدل على أن كمال الإنسان محصور في هذين المقصودين ، فالعمل هو البداية والعلم والمكاشفة هو النهاية . الفائدة الثاني : أنه تعالى نبه على أن الانتفاع بالعمل إنما يحصل إذا كان الإنسان مواظبا عليه ، فإن القنوت